"لا يستطيع الإنسان إلا أن يتحمل قدرًا محدودًا من الخوف. اليوم، يجب على المرء أن يبتلع في خمس دقائق الجرعةَ التي كان يبتلعها
في ساعة واحدة زمنَ تورين Turenne."
~ Ardant du Picq, Battle Studies (1880, posthumous)
سِجِلٌّ متَّصلٌ للخواطر والشذرات — من الأحدث إلى الأقدم. تصفَّحْ كصفحات، أو انتقلْ عبر الجدول الزمني، أو ابحثْ في كل شيء عبر ⌘K.
ديسمبر 2025 منشوران
"لا يستطيع الإنسان إلا أن يتحمل قدرًا محدودًا من الخوف. اليوم، يجب على المرء أن يبتلع في خمس دقائق الجرعةَ التي كان يبتلعها
في ساعة واحدة زمنَ تورين Turenne."
~ Ardant du Picq, Battle Studies (1880, posthumous)
«السأم أسمى ما في الإنسان من عواطف، لأنه يدل على أن روحه، من وجه ما، أعظم من الكون بأسره. وهو تعبير عن يأس بالغ العمق، من إيجاد ما يسد حاجات النفس التي لا حد لها.»
— ليوباردي، Zibaldone, p. 288 (Macmillan, 2013)
بول إهرنفست: عبقري درس على يد بولتزمان نفسه، الذي طرح أسئلة مثل 《لماذا الفضاء ثلاثي الأبعاد؟》 وأنار الجسر بين الفيزياء الكلاسيكية والكمومية. دعاه أينشتاين 《أخًا》 واعتبره أعظم معلّم فيزياء على قيد الحياة، وقد اختير لخلافة لورنتز الأسطوري في جامعة لايدن—أرفع كرسي في الفيزياء الأوروبية— وحوّل ندواته إلى وجهة يقصدها أعظم العقول، كما أنه درّب أولنبيك وغودسميت وكرامرز —تلاميذ أصبحوا عمالقة.
نيلز بور التمس مشورته، وبول ديراك وقّره. لكن، وفي أوائل الثلاثينيات، بينما انفجرت الثورة التي ساعد على رعايتها متجاوزةً إياه، كتب في عذاب: 《كل مجلة جديدة تملؤني بهلع أعمى —لا أعرف شيئاً على الإطلاق.》 ابتلعه الاكتئاب، فالرجل الذي وقف يوًما على القمة؛ في عام 1933، محطمًا باليأس وعاجزًا عن تخيّل ابنه فاسيك —صبي لطيف عمره 15 عامًا مصاب بمتلازمة داون— ينجو وحيدًا في أوروبا تظلمها النازية، فدخل المصحّة حاملاً مسدسًا، وأطلق النار على الصبي الذي أرسل له بطاقات بريدية فخورة، معتقدًا أنّه خلَّصه من قسوة الحياة بدون أبيه، ثم أطلقها على نفسه.
ما المشكل مع ما يتوهمه الناس مِن خط دفاع في مواجهة الإلحاد والرد عليه؟ المشكل أنه غير متسق في ذاته ويعتاش على الاجترار والقصقصة من هنا وهناك والتلزيق في مكان غير ذي مناسبة!
فانظر مثلا إلى ديدات يسشتهد بتوماس كارليل على أنه غربيٌّ مبرِّزٌ في قومه يرفع من شأن الإسلام، ويسوق أقواله في هذا تحت شعار: إذا كانت رجالاتهم تنصفنا فإن أغبيائهم وحدهم من ينتقصون منا!
في كتاب كارليل The Hero as Prophet ورد من الكلام ما أكثر ديدات من قَبسه غير ذي مرة في محاضراته ومناظراته؛ منها:
1. "هل يستطيع رجل كاذب أن يؤسس دينًا؟ إن الكاذب لا يستطيع حتى بناء بيت من الطوب!"
2. "الأكاذيب التي أحاطت بهذا الرجل عار علينا نحن فقط"
لكن في نفس الكتاب يقول كارليل واصفا القرآن:
"قراءة مُجهدة...خليط مُربك بائس، ومُكرر، ومُطوّل، ومُتشابك - غباء لا يُحتمل"
ماذا يُفهم من هذا ومن الاطلاع على طرح كارليل كاملا؟ أنه يرى الرسول -عليه الصلاة والسلام- مخلصا وصادقا ولكن ليس صاحب رسالة سماوية، أيْ مخدوعا!
ما معنى أن تورد مثل الاقتباسين 1 و2 لتدعّم للسامعين ثبات الدين، ويكون نفس الرجل الذي أوردت اقتباساته يرى الدين أصلا زيفا؟
youtube.com ↗
لا يدخل الطالب الجامعة —تحديدا في العلوم الطبيعية ومتعلقاتها— إلا لعجز قدراته الذهنية عن تحصيله العلم وحدَه؛ أي بدراسة الكتب بدلا من الجلوس في حضرة أساتيذ لا يحسنون شرحها. إذا أراد وظيفةً يعتاش بها فحديثي هذا يتخذ منحى آخر؛ وليس هذا منشد الطرح.
وليس هذا نزاعا نحكم فيه بين أطراف أقل حظًّا في الذكاء والاتقاد الذهني من أطراف أخرى، بل هو حقيقة مؤكدة تشير إلى أن العاجز عن تحصيل العلم بنفسه عاجزٌ قطعا عن تحصيله بوساطة. فإذا اتفق كيفما يتفق أنْ أخرج النظام الجامعي مبدعين، فذاك لا يشير بأي وجه إلى فضلٍ يُزعَم له.
فلا أقذَرَ من دعاية الشركات والوكالات المسمّاة بالجامعات التي صنعت منظومةً خبيثة وخادعة تتكئ على بيع الوهم بل وصناعته، في أنها عجلة ضرورية تسهم إسهاما مفصليا في تقدم المجتمع وتطوره. وقد لا ينازع أحدٌ في أن التاريخ بأسره، وتطوّر العلوم قاطبةً وعلى طول الخط هو منتوج فرديٌّ وحدوَيٌّ إلا كان جاهلا بالسّيَر وقليل فهم لأصول العلوم وارتكازاتها.
البقرةُ حلوبٌ وضعتها في حظيرة أو لم تضعها، أفإذا وضعتها صرت مَن جعلها حلوبا؟
يصنع الرجل للرجل معروفا فيغالي في حبه واتقاء إزعاجه بل ويُحجِم عن قول قولة يعتقد أنها حق لأن من أحسن إليه معروفا يعتقد أنها باطل! فكيف بالمشتغلين بالسياسة والحكومة؟ ذي لمحة عن طبيعة النفس تفسِّر كثيرا ولاء المشتغلين لدى ولي أمر لولي أمرهم وحرصهم على تلميعه!
تأمَّله في أسمى تجلّياته: الأستاذ الجامعي. ما وظيفته؟ إنما هي أن ينقل إلى أجيالٍ جديدةٍ من الحمقى طائفةً من المعارف المزعومة، التي هي مجتزأة، وتافهة، وفي أكثرها كاذبة. إنّ نشاطه المهنيَّ كلَّه محصورٌ في دائرة الأوهام والأهواء والطماعات التي تحكم أمناء الجامعة، أي لجنةٍ من صانعي الصابون، ومصنّعي المسامير، ومديري المصارف والبنوك، والساسة. فما إن يُغضِبَ هؤلاء الحشرات حتى تهلك منزلته. ولا يستطيع أن يفكّر بصوت مسموع من غير أن يعرّض نفسه لخطر أن يُلهِبوا سرواله بمراوحهم.
~ H.L. Mencken، Prejudices: First, Second, and Third Series (2010), p.92
إذا تحدث ليوباردي سكت مقابله عشرة من أفحل الشعراء والكتّاب!
"اللذّة تظهر دومًا في الماضي أو في المستقبل، وليست في الحاضر قَطّ"
~ ليوباردي، Entry: September 29, 1823, Festival of Saint Michael the Archangel
《يمكنك أن تفعل كل شيء بالحِرَاب إلا أن تجلس عليها》
~ أوتو فون بسمارك، (Conversation with generals, 1870s)
بعض الشباب هنا متحمس فيهاجمني لأنني كثيرُ السخرية. فهو يدخل الفيسبوك ويظن أنه في متحف اللوفر أو مكتبة بغداد. عزيزي، إذا عاملتَ الفيسبوك على أنه معبَد (تريد من الجميع أن يتحلوا بأخلاق المسيحية فيه) أو أنه صحيفة علمية (لا تريد إلا أن ترى منشورات مفيدة ومعرفيّة) أو أنه كافيه للمثقفين حيث يجب أن يحترم الجميعُ الجميعَ؛ فالمشكلة ليست في حسابي بل في رأسك الذي جرى استبدال المخ فيه بحفنة من الإسمنت، أولا: تستطيع إلغاء المتابعة بدلَ الترصُّد لكل منشور تريد أن تعارضني فيه فقط لأنك تترصدني ومستفَز مني، وثانيا تستطيع حذف الفيسبوك واستعمال Sci–Hub أو Library Genesis، أو تذهب إلى الصين حيث ستجد الرخاء والراحة مع رهبان الشاولين، نحن نتمسخر كما شئنا وأنّى شئنا وهذا المكان الذي أنت فيه ليس سوى فضاء وهمي فلا تتغابى.
《فليسمح لي بأن أقول بصورة عابرة (en passant)، بأنني على قناعة لا تحور بأن لون البشرة الأبيض ليس لون البشرة الطبيعي في الإنسان، ولكن كان عليه أن يكون ذا بشرة سوداء أو سمراء على مثال أسلافه الأوائل من الهنود؛ فلا رجل أبيض قد خرج في الأصل من رحم الطبيعة، ومن ثم فلا وجود لأي عرق أبيض⁽²⁾، حتى إن تكرر قول ذلك، بل إن كل رجل أبيض هو رجل قد صار أبيض (غير ملون). فلما نزح نحو الشمال الغريب عنه، وحيث كان عليه أن يعيش مثل النباتات الغريبة الدخيلة، لأنه وإياها كانا في أمس الحاجة إلى الدفء، في فصل الشتاء البارد؛ لذا غدا الإنسان، على مر الزمن والقرون، أبيض السحنة. فالغجريون، وهم عرق هندي هاجر منذ حوالي أربعة قرون فحسب، دليل حي وشاهد على مرور لون البشرة من الهنود إلى الأوروبيين.》
~ آرتور شوبنهاور، ميتافيزقا الحب، ص65
قلتُ، من الوافر:
أَرَى الدُّنْيَا سَرَابًا لَيْسَ يَبْقَى وَكُلُّ نَعِيمِهَا ظِلٌّ زَوَالُ
نَعِيشُ عَلَى الأَمَانِي وَهْيَ زَيْفٌ وَمَا فِي العَيْشِ إِلَّا البُؤْسُ حَالُ
نُكَابِدُ فِي الحَيَاةِ وَلَيْسَ يُجْدِي كِفَاحٌ أَوْ رَجَاءٌ أَوْ سُؤَالُ
جان فالجو (جان فالجان)...يختزل ظلام الإنسانية وظلمة كل ما هو اجتماعي.
كفى تخليدا لفيكتور هيغو أنه عبَّر عن مدى تعقيد البؤس الاجتماعي في رائعته البؤساء.
"في الصين، كان هناك رجل يُحب صور التنانين، فكانت ملابسه وأثاثه مُصمّمة وفقًا لذلك. لفت انتباه إله التنين عشقه الشديد للتنانين، وفي أحد الأيام ظهر تنين حقيقي أمام نافذته، يُقال إنه مات من الخوف."
~ هاغاكور: كتاب السامواري، النسخة الإنجليزية
حينما يقصّ الساموراي –مثل ياماموتو تسونيتوم– قصةً وإنْ كانت مضحكة فإنها تقرُّ حقائق عظيمة! فتأمَّلْ.
ما أشدَّ ضحالة عالَم جُلُّ مَن فيه يتصرفون على امتداد حيواتهم وطول عمرهم وكأنهم في مدرسة طلابيَّة: يحفظون هذا، ويقرأون ذاك، ويحاكمون ذا استنادا لذاك، وعندهم 《مبادئ》يتحركون وفقها بل ويفخرون بذلك! إنني لستُ أفهم البتة من أيِّ رمادٍ ليس بطينٍ جُبِلَ هؤلاء، فلكأنَّ مشهدَ البشرية بأسره يُختَزَل بهم في حيوات متفحّمة يُعاد نفث رمادها في نُسَخ متكررة تحسِب أنها مميزة وفريدة!
《لكل منَّا بصمته》دعايةٌ برّاقة إلا أنها مزيَّفة واهمة، أفإذا قطَّعتُ شجرةً وجعلتُ أصنع منها أشكالا خشبية مختلفة أفتراني ميَّزت شيئا مما نتج عن الآخر؟ ففي الوسع صُنع وجه عبوس من تلك الأخشاب كما صناعةُ وجهٍ باسم، كذا ستظن كل خشبة مهترئة أنها أفضل من أخواتها، وهو ذا تماما حالُ الناس في كل عصر، يحسب أحدهم أنه يغيِّر من جوهره الساذج ب"ابتسامة" يبقيها ليلَ نهار على وجهه كالبليد، وآخَرُهم يظن التجهُّم والعصبية المفتعَلة سرًّا من أسرار تعاليه على 《القطيع》. وليس الجوهر إلا بواحد، أعداد مهولة تُولَد لتقضي زمنا مُقَدَّرًا مكتوبٌ عليها بعده أن تموت.
ويلي! كيف تسللت هذه القناعات الواهمة إلى بني البشر؟ وتغلغلت في نفوسهم فلم تعد تفارقها؟ أمَا وجد الناس كذبةً أكثر اتساقا يسايرون بها أنفسهم؟ لم تقدر ثورة أرخميدس ولا تفاضل وتكامل نيوتن ولايبنتز، ولا الثورة الصناعية، ولن يقدر الذكاء الاصطناعي أو علم الحاسوب النظري على إحداث فرق في هذا المرتكز الاجتماعي غير القابل للخرق، دماغ الإنسان هي هي، وطبعه هو هو، اصنعوا ما شئتم وابتدعوا أيّما رُمتُم، فالمصنوع لن يغيّر في جوهر الصانع، ولا داعيَ دعا أو سيدعو لأن يكون إنسان عام 2100 أفضل من إنسان عام 1200.
يتبع بعد النوم (لعلي أدخل الساعة الأربعين من غير نوم)
الأشاعرة يحبون حبس أنفسهم في قفص من المنطق الأرسطي والقديم فأعلى ما تصله إمكاناتهم هو الامتدادات الإسلامية بتعليقاتها وشروحاتها وحواشيها وبواقيها على المتون الأرسطية وما لحقها من تعقيبات. فلا يُلقِ أحدهم بالًا لأيِّ تعلُّقٍ من متعلقات المنطق الحديث وإذن فهم تماما كمن يظن أن ذروة تطور الطب هي حقبة ابن سينا.
ولذا فإنهم يُكثرون من إساءة فهم ما خطَّه ابن تيمية في الأبواب المنطقية، فالمنطق ليس أرسطيًّا/أو رياضيًّا بل هو جسم كامل يختزل تاريخَ آلاف السنين، ومن أصرَّ على الانكباب على جانب واحد من هذا الجسم ونبذ بقية الجوانب فإنه ليس بمُحرزٍ تقدمًا اليوم في 2025؛ لماذا؟ ببساطة لأن عجلة المنطق لم تقف عند أرسطو أو التفتازاني.
وكما أن ابن تيمية —غالبا– لم يكن مدركا وهو يكتب الرد أنَّه يرمي بظلالٍ طويلة على أنظمة ستتولد بعد عصره بمئات السنين وأن إضاءاته ستُفهَم في سياقات أوسع مما عَنَاه هو في أوّل المقام ومرتَكَز الأساس، فكيف بعموم السلفية نطلب منهم أن يستوعبوا تحفته تلك فضلا عن أن يفهموا لوازمها واستتباعاتها التي غابت ولا شك عن ذهن ابن تيمية نفسه؟
ولذا فإنه ليس بمستغَربٍ عند مَن أبدعوا في الصنعة المنطقية الحديثة مِن العرب والمسلمين أنهم ليسوا بمهتمين بسلفيةٍ ولا أشعرية ولا تغريهم أطروحات ابن تيمية في شيء، فالفريقان فشلهم ذريع في هذه الصنعة، الأشاعرة يدَّعون امتلاكها واتقانها وعلو كعبهم بها على غيرهم، ويظن السلفية أنهم أصحاب أفهام إذا ما نبذوها من الأساس فعجبًا لحالنا
《الإنسان —وكذلك كل كائن حي— لا يحب ولا يمكنه أن يحب أي شيء سوى سعادته؛ وبالتالي لا يكره ولا يمكنه أن يكره أي شيء سوى تعاسته.》
~ ليوباردي
Zibaldone, Entry 1982, October 25, 1821 (FSG edition, p. 823)
هذا لويتسن برواور، واحدٌ من أهم الرياضياتيين في القرن العشرين، وليس فقط من أهمهم، بل هو من مؤسسي الطوبولوجيا الحديثة، فاشتغل على الطوبولوجيا ونظرية المجموعات ونظرية القياس وغيرها.
الرجل يقول أن شوبنهاور هو من أشد الفلاسفة وأندرهم فهما لطبيعة الاتصال الرياضي Mathematical Continuity، كما أنه يعترف بتأثير شوبنهاور الكامل عليه في تخيله وإبداعه الرياضي.
كما يذكر الرياضي توين كويتشير أن برواور مدين لشوبنهاور بكل شيء.
إن من يقرأ شوبنهاور بصدق، ولا تكون السذاجات الهيغلية مسيطرة عليه أو مؤثرة فيه، يعرف حق المعرفة أن خمسمئة سنة قد لا تستطيع إنجاب مثله.
عند الفيزيائيين: الكشوفات الفيزيائية تتمثل في خلق معادلات جديدة أو كشف خفايا في المعمل.
عند الرياضيين: الكشوفات تمثَّلت في خلق الحاسوب.
عند كسالى العرب من مدَّعِي السياسة والمتكلمين في السياسة بغير فقه: الكشوفات هي "فضح ازدواجية الغرب".
وكأن ازدواجية الغرب أو ازدواجية الإنسان عموما سرٌّ غامض أخفته الماسونية عن البشر! تأبى التياسة إلا أن تكون لهؤلاء.
من شديدِ الأشياء إضحاكا فيما يتعلق بالجامعات هو كمية الذكور قليلي الفحولة الذين يتجولون في أزقتها بحثا عن أنثى محتملة. والقاعدة عندهم: موسم التزاوج شغّال طالما لم يأتِ التخرُّج بعد.
مُستَغرَبٌ ممن يُقرُّون قاعدةً مفادُها أن الناس لا يهتمون سوى بالنتائج ولا يلتفتون إلا للناجح، مستغرب منهم أن يطاردوا بعد ذلك رضى أولاء الناس أنفسهم! بل ويتخذون من تلك القاعدة تحفيزا ل"إثبات" شيء ما أمام أعين الجميع، أفإذا كان الناس لا يهتمون بك إذا سقطت ووقعت أو تعثرت، فما معنى أن تطارد اهتمامهم وقتَ نجاحك؟ بل ما معنى نجاحك حينها؟ إذن فعلى التوجيهات أن تكون بادئ ذي بدء ذاتية، وأن تكون الدوافع مرتكزة على دواخل الشخص وبواطنه لا على أحاسيس غيره ونظراتهم إليه.
أذكياء كُثُر يجدون صعوبة في مطاردة ما تمليه عليه أنفسهم، فكيف بالغبي الذي يطارد لقاءَ رضى الناس وتصفيقهم؟
الذي كان يسخر من ويكيبيديا —وقت تألُّقها— بوصفها مصدرا للمعلومات، لا يعرف اليوم مصدرًا خارجَ الذكاء الاصطناعي. وويكيبيديا كانت مصدرا حقًّا ولا زالت أوثق من الردود العادية للذكاء الاصطناعي (بعيدا عن تفعيل ميزات مثل Research داخل جلسة الدردشة).
فقد اعتاد الناس في تلك الأحايين على السخرية ممن يستشهد بويكيبيديا ويدَّعم بها كلامه، من غير أن يعرفوا الآلية التي تشتغل بها المنصة والنظام الذي يحكم الكتابة فيها، لكنهم اليوم لا يجدون أي مشكلة في الاستشهاد بالذكاء الاصطناعي بل واستخدامه في كل أعمالهم، بدءا مما هو مفيد حقا وصولا إلى السرقات الحرفية.
الشاهد؛ أن البشر عموما يبحثون عن حفل يرقصون فيه، فكما وصفهم شوبنهاور في مشهد يصفّقون إثره حاضرينَ عملًا من أعمال النبوغ، أنهم كالقرود المدربة يؤدون عملهم في عرْضٍ ما. ولذا، فإن وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها أغلب سكان الأرض، ليست على التحقيق سوى مكبّ نفايات كبير. والمستعجَب –حقا– أن تجد مَن يُحسَبون عليَّةً من القوم يقضون أوقاتهم ينكافون في فيسبوك ويشغِّبون على إنستاغرام.
حريٌّ بمن في رأسه عقل أن يقلِّل إذن من احتكاكه مع العالَم من حوله قدر المستطاع، وألا يتابع الأخبار كما يتابع ماءَه وأكله ونومَه، فالنظر في الذات، ثم التحصيل الأدواتيّ للعلوم الرفيعة، ليس الوقتُ بقادرٍ على تعويضه إذا ما فاتَ أوانه ولا القدرات العقلية بمستمرٍّ رونَقُها للأبد، فالذي يستطيعه الجميع –أيْ الرقص في أيّ حفلة وكل مناسبة– لا يليق بالمحسوبين عليَّةً للقوم أو مَن يحسبون أنفسهم نخبةً.